أحمد ياسوف
153
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الْأَلْواحَ [ الأعراف : 154 ] ، قال الزمخشري : « كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك ، وإلا فإن قراءة معاوية بن قرة : « ولما سكن الغضب » لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة ، وطرفا من تلك الروعة » « 1 » . فالزمخشري يفصح عن هذه الإضاءة التي تلقيها المفردة المنقولة « سكت » في هذا السياق ، ويساعده ذوقه الفني على تفضيل هذه الكلمة على « سكن » ، ولكن على آية حال قراءة معاوية مخالفة لرسم المصحف ولا ثبوت لها ، فضلا عن القدرة التشخيصية السكوت الفعل البشري الذي جعلنا نتصور إنسانا داخل إنسان ، ويجعلنا نتصور هذا السكوت شخصا يتضاءل حجمه داخل جسم النبي موسى عليه السلام . يقول محمد قطب عبد العال : « فسبب الغضب واضح ، وهو سبب في حقيقته يؤدي إلى الاجتياح والانفعال ، ويقلب الحليم إلى قوة ضاربة . . . فالتعبير القرآني يشخص الغضب ، ويجعله كائنا حيا ضاربا بكل شيء ، ويجتاح كل شيء ، ويرمي بكل شيء ، تتطاير منه أسنة الغضب ، فتطول الأشياء والأشخاص والمكان ، ولقد سكت الغضب بعد أن كان شخصا جائحا يدفع موسى ويحثه على الانفعال وكأن موسى مسيّر له » « 2 » . وقد كان الأستاذ عبد العال أكثر من تحدث عن فن التشخيص القرآني في عصرنا ، فأبرز قوته النفسية وطبيعته الحركية ، ولكن نضيف إليه أن التشخيص لا يعني مجرد الحركة فلا بد من تحديد الفعل البشري وخصوصيته وانسكابه بملامح جديدة وشيات جديدة على المجرد أو الجماد ، فيلحظ لكثرة عنايته بحركة التشخيص أنه شغل بما قبل
--> ( 1 ) الكشاف : 2 / 120 . ( 2 ) من جماليات التصوير في القرآن الكريم ، ص 72 .